أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
103
شرح مقامات الحريري
فلمّا حللت بالرّيّ ، وقد حللت حبا الغيّ ، وعرفت الحيّ من اللّيّ ، رأيت بها ذات بكرة ، زمرة في إثر زمرة ، وهم منتشرون انتشار الجراد ، ومستنّون استنان الجياد ، ومتواصفون واعظا يقصدونه ، ويحلّون ابن سمعون دونه . [ الرّيّ ] قوله : « فلما حللت بالريّ » : الريّ : أرض على جادّة خراسان ، واسم مدينة الريّ المهديّة ، سمّيت بهذا الاسم ، لأنّ المهدي تولّاها في خلافة المنصور لما توجّه إلى خراسان لمحاربة عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزديّ ، وبها ولد الرشيد ، والمهديّ أقام بها عدة سنين فشيّد بناءها وأتقنه ، وأرضع نساء الوجوه من أهلها الرشيد . وأهل الريّ أخلاط من العرب ، والعجم قليل فيها . وافتتحها قرط بن كعب الأنصاريّ في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . ويشرب أهلها من عيون كثيرة وأودية عظيمة ، وبها واد عظيم يأتي من بلاد الديلم يقال له نهر عيسى ، ولكثرة مياه البلد كثرت ثماره وجنّاته وأشجاره ، وله رساتيق « 1 » وأقاليم . ونسب إليها الرازيّ ، وهو من شاذّ النسب . وكتب الحجّاج إلى قتيبة بن مسلم : ما يقيمك بأرض الفراعنة والجبابرة ! سر إلى خراسان ، أرض الفضّة والعقيان ، والجواري الحسان . * * * وتقدّم الحبا . والغيّ : الضلال ، والعرب تقول : ما يعرف الحيّ من الليّ ، والحوّ من اللوّ ، تقوله لمن تستجهله وتنفي عنه الفطنة ، وتصريفها أنّ الحيّ مصدر حويت الشيء حزته وجمعته ، ولويت الرجل : مطلته ومنعته حقّه لوّا وليّا وليانا ، فالحيّ مدح والليّ ذم ، فكأنه إذا قال : عرفت الحيّ من الليّ إنما قال : عرفت الخير من الشرّ ، وما يضرّ مما ينفع ، وعرفت الحيّ من الليّ . وقبيلي من دبيري ، إنما يستعملان في النفي . وتجوّز أبو محمد في استعمالهما في الإيجاب حيث كان أصلا للنفي . الزّمرة : الجماعة ، وتقول : فلان إثر فلان أي خلفه وقريبا منه ، كأنه يتبع أثره إذا رفع هذا قدمه وضع الآخر قدمه في الموضع . منتشرون : متفرقون مستنّون : جارون . متواصفون : يصفه بعضهم لبعض . * * * [ ابن سمعون الواعظ ] ابن سمعون : هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عيسى بن إسماعيل
--> ( 1 ) الرساتيق : القرى ، معرب .